WILDLIFE

الفيل الإفريقي

من تجارب تريبر

الفيل الإفريقي المهيب في طبيعة جنوب إفريقيا المفتوحة
ترنيمة المهاجر الساكن

« بعض المخلوقات العظمى لا تحتاج أن تركض بوعث أو تزأر بحدة؛ يكفيها أن تمر بمحاذاة خطوتك صامتة بهدوء… لتشعر بهيبتها الساطعة تسلب المكان طمأنينته وجلاله. »

رؤية الفيل الإفريقي الفريد لأول مرة بكنف البرية الحية ليست بمحطة لقاء عابرة؛ هناك تفصيل ساحر مهيب يسود مناخ حضوره: هدوءه البالغ، دقة وخطوات مشيه المتمهلة، ونظرته العميقة الشبيهة بأعمار هذا الكون، ترسم تاريخا قديما كأنما ولد من بطن الأرض قبل ولادة الأماكن والرمال نفسها. بمثل هذه المهابة، يستقر الفيل الإفريقي في جنوب أفريقيا كواحدة من التجارب الباقية في حنايا الذاكرة مدى الحياة.

يعتبر هذا العملاق الساكن أكبر كائن بري يسير فوق أديم الكوكب حاليا، مميزا بآذانه الممتدة العميقة التي تجسد في صفحتها أبعاد وشكل قارة إفريقيا العتيدة ذاتها. كان الشائع ردحا من الزمن انتساب الفيلة جمعاء لسلالة منفردة، بيد أن الكشوف العلمية فرقتهم لصنفين جليين: أفيال السافانا الفسيحة وأفيال الغابات الملتفة، وكلاهما يخوض دفاعا حيا لحفظ الأجيال ضد جائحة الصيد وضيق المسكن الطبيعي.

« الفيل الكسول لا يبهر وجدان المتأمل العاقل بفرط حجم هيكله فحسب… بل بهدوئه الفلسفي الوادع وسكينته الباقية. »

فلسفة السكينة

أساطير العبور وبذور البقاء

صراع القرون وحكايا الرموز الخالدة

لم تحظ الفيلة الإفريقية باستقرار وهناء تام طوال الزمن الغابر؛ إذ لاقت إبان بواكير القرن السالف تناقصا حادا مريعا، قبل أن تنتكب السواحل بالرعاية العطوفة وسبل الحفاظ والمحميات السليمة التي أعادت بوجه رشيد ميزان الطبيعة وحياة القطعان. وتترنم البلاد اليوم بألوف الفيلة التي تنساب بسلام ومحبة عميقة داخل المسطحات والحدائق الخضراء الشاسعة.

ويروى التاريخ الساكن سيرة لنوادر هذا الجنس، لعل أسطعها "ايسليو" المكنى بالملك بلغة قبائل الزولو العريقة. وقد كان ضخما مدهشا باسل الطول والهيبة حتى رحيله النبيل عن وجه التراب عام 2014. كما تطرح الألسن حكاية "أمارولا"؛ ذلك الفيل الذي طارت سمعته في الآفاق بعد حادثة قلبه الطريف الحاسم لمركبة أحد المغامرين بغير سوء، ليلقن الركاب بغير لسان موعظة عظيمة: بوجوب احترام الحدود السليمة وتجنب استفزاز الكرام من أهل الأرض العظماء.

« نداء البرية العريضة يعلمك جيدا أن منزلة الأدب والاحترام الفطري تسبق كل أشكال الشجاعة الباسلة الكاذبة. »

حرمة البرية

ملاذات الهدوء والنبل العائلي

على طول دروب الطبيعة الفارهة وممراتها الممتدة، تنهض واحات جميلة تمنحك شرف الرؤية العطوفة ومرافقة الفيلة ومحادثة طاقم الحفظ القريب، مستحضرين دور الحديقة الرشيدة في تربية الأفكار وصون الأجيال. ومن معالم هذا المعبر، يبرق اسم الفيلة الأم "سالي"؛ الحاضنة الكبيرة التي لم تنجب قط عدا أنها اتخذت رعاية اليتامى من أفراخ القطيع واجبا مقدسا وصادق الكبد، لترسم للبشرية لوحة عاطفية فريدة تفقد معها الكلمات معانيها.

أما إذا تحرك البال نحو قمة مغامرات اللقاء والاستكشاف تحت المظلة الإفريقية المفتوحة، فإن الدروب تدل السائلين صوب المحميات والواحات الطبيعية اللامحدودة؛ مأوى مئات الفيلة الطليقة التي تعبر وتلعب بحرية تامة برفقة السباع والطيور البهية. وحين تسير مركبة الاستكشاف الهادئة بجوار مسيرة قطيع عائلي عريض يرتحل مع الشمس، تتبدى لحظتها هزة الأرض الرصينة لتأخذ بوجدانك الوجل الجميل وتسلمك لراحة تسبيح الخلاق العظيم.

توجيهات للقاء الفيلة المهيب

اخفضوا نداء الهتاف وأصواتكم عند الاقتراب من حضرة القطعان هيبة واحتراما لسكينتها الفريدة ومنعا للريبة.

لا تحثوا الخطى أو تقتربوا بغير توجيه الطاقم المختص، فالفيل ملك حريص يرقب النوايا.

ارتدوا ملابس من لحاء الطبيعة وألوانها غير الصارخة، واستمتعوا بالصمت وملاحظة سلوك العوائل ومداعبة الأمهات للصغار.

« لا تعبر أمامك الفيلة كدواب برية صامتة ضخمة فحسب… بل تمس برفق أغوار الوجدان، وترسم لوحة أزلية نابضة ممتدة تنبثق من روح إفريقيا الفطرية وتوازنها البديع. »