ARTICLE

District 9

حين تتحول العنصرية إلى خيال علمي

Trpppr - Articles about South Africa - District 9
ترنيمة الأفق البعيد

« في عام 1982، ظهرت مركبة فضائية هائلة تسلب الأنظار والسكينة فوق سماء جوهانسبرغ العتيدة. كائنات مدهشة غريبة، سفينة صماء عملاقة تصنع السكون، وعالم كامل وجل توقف بالصمت ليراقب مأساة هذا النزول ومغزى العبور. بيد أن الدهشة الحقة لم تفطن لوصول الفضائيين… بل بالطريقة المحزنة التي تم بها قياس وجودهم وتسييس حضورهم. »

هكذا تفتتح السينما سيرة روائية من أدهى وأذكى فصول الخيال العلمي الحديث؛ قصة فيلم « District 9 » الذي تخطى حدود الإثارة البصرية والترفيه الخالي من الحكمة ليداعب أغوار الوجدان والضمير البشري. وبالرغم من أن ظاهر هذا الفيلم يتجلى في طابع من الصراع مع "الوافدين من السماء"، إلا أن السائل والمرتحل الذي طالع تاريخ جنوب إفريقيا الممتد وعقد التفرقة والفصل العنصري الصعب، سوف يفطن سريعا لمداليل الأبعاد المخلدة التي تتجاوز مجرد فصيلة الفضائيين.

« أحيانا كثيرة، يلجأ العقل الرشيد لتوظيف الخيال العلمي المجنح وقضايا الغد البعيد… ليصيغ قصة بالغة الواقعية تكاد تهز وجدان المتلقي بصدق كبدها. »

فلسفة الخيال

مقاطعة 9 وأسوار العزل الرهيب

تتحرك دراما المشاهد بوضع تلك الكائنات المحزوم حقها في بيئة بائسة مسيجة تسمى كذبا « مقاطعة 9 »؛ جدران صماء، حواجز من حديد ونيران، فقر مدقع يلف الأزقة العفنة، رعب دائم، ومعاملة خشنة بالغة القسوة تنزل هوانا فوق كرامة هؤلاء الغرباء المستضعفين. وتباعا، يتبدد الغلاف الخيالي لتنجلي الفكرة الحقة والغاية العظمى بوضوح تام: فالقصة برمتها لم تصنع لرصد الغزاة القادمين من الفضاء، بل هي مرآة صقيلة تعكس بؤس التفرقة، وقسوة العنصرية والنفور المهلك من الكائن المختلف.

الذاكرة الوطنية ورؤية نيل بلومكامب

استلهم المخرج الجنوب إفريقي العبقري « نيل بلومكامب » تفاصيل وأفئدة هذا العمل من مآسي الفصل العنصري (الأبارتهايد) السالف بوطنه، محولا تلك الذاكرة الثقيلة والملونة بالوجل والنزاعات الحية إلى قالب سينمائي روائي حارق، مذهل، ومؤثر بغير مواربة. وهذا بالضبط سر الانجذاب العريض والتفرد الكبير الذي ميز هذا الأثر الفني عن مسالك السينما الغربية التقليدية الممتلئة بالحلول السهلة؛ لكونه يبدو أشد واقعية، وأقوى قسوة تلامس أعماق التاريخ وحرمة الإنسانية.

« بعض الحواضر والمدائن الكبرى تحمل بخلدها وبطن رمالها قصصا وصروفا هي أشد هيبة وجلالا وثقلا من أن تروى بمباشرة مبسطة. »

قصة لا تموت

سويتو مهد النضال ومعبر التصوير

ومن سمات التميز والمصداقية تصوير مشاهد عريضة من الفيلم داخل جنبات الضاحية الشهيرة « سويتو » بمحاذاة جوهانسبرغ؛ الموئل الحقيقي الحافل بمحطات النضال والانتفاضة الشعبية الباسلة إبان فترات الفصل والتمييز الغابرة. وحين تتردد اليوم بصحبة « تريبر » على تلك الممرات وتتحرك في فضائها الحر، ستلمس بمودة كيف تشابكت أبعاد الخيال السينمائي بالواقع الحي الذي ألهمه ومنحه صوته ووقاره المميز.

« النجاح العالمي لفيلم مقاطعة 9 يبرهن بوضوح تام على أن اللذة الفنية الفائقة وولاء المتأمل ينجذبان دوما لعمق المضامين الإنسانية وسيرة الدفاع عن الكرامة. »

بلاء الأثر

« لا تقف الأفلام الرصينة الفاخرة عند تخوم التسلية العابرة أو البهجة الوقتية؛ بل تذهب بالمرتحل والمتأمل عميقا ليتساءل بوجد وبصيرة عن أحوال هذا الكوكب وسبل التعايش الأرقى بكرامة وسلام. »