الغوص مع القروش
من تجارب تريبر

« بعض المخاوف الشديدة لا يفلح الإنسان بالتهرب والانفصال منها، بل تتبدد وتندثر في تلك اللحظة المجيدة التي يقرر فيها اللقاء والمواجهة المباشرة. »
تداعت القرارات بغير طويل فكر أو استخارة مترددة حين قمت بحجز مغامرة النزول في غمار المياه لملاقاة{" "} القرش الأبيض العظيم (Great White Shark). كنت أبحث بشغف عن واحدة من أكثر تجارب الإثارة تطرفا ببلاد جنوب افريقيا، دون استيعاب حقيقي بأن الخوف الحقيقي وبواكير الوجل ستبدأ بالتدفق عيانا فور الاقتراب المتأني من مرسى القارب.
في المرفأ، تبدلت دقات الروح؛ تسارع في نبضات الصدر، برودة حثيثة تصيب أطراف الجسد، ورغبة خفية صامتة تهفو بأن يعكر صفو الرحلة عارض من رياح أو أمواج يلغيها بمراد القدر الصديق. وحتى أثناء إلقاء طاقم التدريب للتعليمات والوسائل الضامنة للأمان، كنت أرقب الوجوه والماء بغير سماع كامل؛ فالذهن هائم بنقطة لقاء واحدة: لحظات معدودة… وسأستقر بداخل اللجة برفقة مهيب وسيد سحيق لعمق هذا المحيط.
« الخوف الحقيقي الباسل لا يولد في أعماق المياه بعد السباحة بل يتهيأ في الخيال قبل لمس بواكير الماء البارد. »
— فلسفة المواجهة
طريق الغوص: الخروج نحو الأزرق الغامق
حين يبدأ الصمت في السيطرة على المتحدين
انطلقت الرحلة فجرا متسللة من الساحل باتجاه أراضي المحيط المفتوحة، بينما يحاول كل مغامر إخفاء جلبة توتره بأسلوبه: صمت طويل، تحديق بالرمال المبللة، أو ابتسامة عابرة هادئة. بعض الخبراء ممن ألفوا الدرب بدوا واثقين عويدي الطبع، عدا أن الكثرة الطاغية كانوا يماثلون حال ارتعاش أطرافي تماما بالخفاء.
وفجأة… انبثق أول ظل داكن يسير بمكر وهدوء في الأعماق المتوارية.
ظل ممتد فطن، يتبعه زعنفة تقص صفحة الماء، ثم قرش آخر يستدير باطمئنان وافر. في لحظة عابرة، انقلبت مساحة الماء الساكنة لساحة قتال فني ودوران ملكي يلتف بالكامل حول القارب المعلق.
« حين تلمح عينك طيف القرش هادئا للمرة الأولى تحت السقف المائي، ستفهم جيدا هيبة المخلوق وسبب الهتاف والرهبة المحسوسة عالميا. »
— رؤيا تحت السطح
الغوص في القفص: لقطات من الصمت المطلق
حان الميقات وأتى نداء المقعد الخاص بي للغوص.
كان الماء شديد البرودة يلامس البدن ليختبر منعة الروح على تحمل المهام، برغم حماية بدلة السباحة والقفاز الكثيف. وقفت مترددا عند سلالم النزول للقفص الحديدي المعلق بالجنب حتى آخر ثانية خالية، بينما صوت في الباطن كان يلح بالهروب ويكرر واجفا: « لست مجبورا على العبور ». عدا أن خطوة واحدة ألقت بي لداخل القفص والماء… كانت كافية لينقشع الخوف، ويتلاشى التردد بغير عودة. فقط، صمت كلي، أدرينالين نقي، وجمال آسر غمر الكيان بالدهشة العظيمة.
صرخ المنظم لاهثا: « Dive! Dive! »
تجرعت هواء نفسي الأخير، وجذبت جسدي صوب الأسفل في بطن القفص الفولاذي. ومن وراء القضبان… عبر القرش العظيم طليقا أمامي عيانا بجسده الفضي الضخم؛ أقرب مما صورت طوابع كتب المغامرة القديمة، وأوسع هيبة من كل ما ترويه عيون المقالات والصور الرقمية. عينان سوداوان لا قاع لهما، ملامح ذكية فكهة، وجسد رشيق ينساب بتؤدة مع حركة اليم الفسيح بسلام لا تفكير معه بالاصطدام.
« بعض الدواب الكبار لا تبدو مرعبة مفترسة حين تلامس عالمها… بل تحتضنك بجلال رائع وتفرض احترامه من بوابات لا يسكنها الفناء. »
— نداء التفكر والجلال
تلاشي الخوف: هبة التأمل والحمد
المفاجأة السارة الصادقة تجلت في تبدل الحسابات وزوال الخوف الكلي من عمق الصدر؛ انقلب التوتر صلاة حمد ومحطات تأمل وذهول بريء بمرافقة خطوط الخالق المعجزة، بينما القروش تروح وتأتي بهداوة أمامنا، مقتربة برأسها اللطيف أحيانا لملامسة القضبان، مما يستدعي طي الأطراف بحذر ضاحك وبلا رهبة 😄. ومع كل صعود ونزول مكرر، كان الصدر يتوق للمزيد من معايشة السحرة. وعند إخلاء القفص، عاودنا صعود القارب بجسد متأثر ببرودة القاع، وألسنة تفيض بحوارات المغامرة العظمى التي غيرت وجه الفهم.
وصايا قبل النزول للقفص الحديدي
• تجرعوا عقارا حاميا لدوار الحركة واضطراب المعدة بوجه مبكر؛ لأن أمواج المحيط على تخوم غانزباي لا تعرف المداهنة.
• تأملوا السكون ولا تحاولوا استثارة أو ملامسة هياكل الدواب طمعا في إثارة فوتوغرافية، بل تقبلوا رصيد الحكمة وهيبة البحر بصمت باسل.
• التجربة مسموحة ومناسبة للأطفال من عمر 8 سنوات فما فوق مع وجوب رعاية حازمة.
« لا تجبرك بعض المغامرات الساحرة العنيفة على إبراز مخالب القوة وبأس الشجاعة المدعية… بل تضعك أمام حقيقتك لتلقى كم يحوي هذا الإنسان من خوف خفي وكم يتسع فؤاده لجميل الروعة والدهشة البالغة. »