طقوس الوهج والدفء حين تعزف النار ألحانها الساكنة لتنصهر أتعاب اليقظة وتولد لحظات السكينة كالأدعية المستجابة.
يا لسحر النار حين تشتعل...
ويا لفتنة الجمر حين يتوهج بلا كلل.
في ركن هادئ من فناء أخضر، وعلى خشب طاعن في الحكايات، ينهض الموقد بشموخ من طين ونقوش.
كأنه تمثال من تراث قديم...
يعيد للروح دفأها،
وللذاكرة نكهة الزمن الجميل.
في حضرة النار...
كل شيء يتجلى.
كل شعور يقال بلا حروف.
وكل صمت يصبح ناطقا بأجمل الألحان.
ما أجمل تلك اللحظات حين تنفخ نسمة باردة على وجهك، بينما يرقص اللهب أمام عينيك رقصة هادئة...
لا تعرف صخب المدن،
ولا ضجيج الساعات.
كل ما تسمعه...
هو طقطقة الحطب.
صوت يسكنك،
ويهدهد مشاعرك،
وينفث فيك راحة كأنها دعاء مستجاب.
تشتعل النار...
فلا يشتعل الحطب وحده.
بل يشتعل قلبي دفئا، ويذوب ما كان متجمدا في زوايا النفس من تعب وهم، وبقايا يوم مر دون اكتمال.
أراها...
لا كجمرة،
بل ككائن حي.
يئن أحيانا،
ويهمس أحيانا،
ويغني لي بلغة لا يفهمها إلا من اختبر لذة الوحدة، وعظمة السكون.
صوتها...
طقطقة لا تضج،
بل ترتب الداخل.
تلم الشتات،
وتغسل القلب من فوضى الخارج.
والطيور تزقزق حولي، لا تغني كما تعودت، بل تشارك النار في سيمفونية لا تعزف إلا مرة، وتحفظ في ذاكرة الروح لا في شريط صوت.
والأشجار ترقص بحفيفها...
لا لأنها خفيفة،
بل لأن الريح مرت عليها بلطف.
كأنها تربت على كتفها...
كما تفعل الحياة حين تبتسم لنا بلا موعد.
النار تسرد لي ما كنت أنساه.
وتذكرني أن الدفء لا يأتي من المدفأة...
بل من لحظة صدق مع الذات.
من جلسة هادئة.
ومن نسمة تلفح الوجه برفق.
ومن موقد يشتعل...
لا ليطبخ شيئا،
بل ليشعل الشعور.
في هذه اللحظة...
لا وقت.
لا زمن.
لا شيء.
سوى أنا...
والنار.
لا تشغلني رسالة،
ولا يهمني إشعار.
كل ما أريده أن أستمر في الإصغاء للنار وهي تتنفس...
وللهواء وهو يتسلل...
وللكون وهو يتناغم معي كأنه يعرفني.
كأنني أذوب...
لا اختفاء،
بل اندماجا.
أتماهى مع العناصر...
مع التراب،
والهواء،
واللهب.
وأعود إلى أصل الشعور.
إلى فطرة الإنسان حين كان يكتفي بالضوء والظل، ويعرف أن السعادة ليست شيئا يشترى...
بل لحظة حياة.
في الداخل أو في الحديقة...
لا فرق.
المهم أن تكون بجوار موقدك.
في تلك العزلة الحميمة، حيث لا حاجة للكلام، ولا متطلب للمواعيد.
فقط مزاج راق،
وأجواء باردة،
ونار توقد بعضا من الحياة.
يا لروعة البساطة حين تكتمل...
ويا لنعمة النار حين تكون رفيقا، لا وسيلة.
صدقا...
في لحظة من تلك الليلة، شعرت أنني أعيش كما يجب...
لا كما يراد مني أن أعيش.