ملتقى هادئ بين الأفق اللامتناهي وسكون التلال الخضراء، حيث تبوح الطبيعة بأسرارها السرمدية.
هنا...
حيث يلتقي الأفق بالبحر في معاهدة أزلية.
وحيث الشمس ترسم بريشتها الذهبية لوحات تموج في السماء، كأنها أسراب أمان هائمة بين الغيوم.
يسكن الجمال في كل تفصيلة.
ويهمس النسيم بأغنية قديمة، تعلمها من حفيف الأشجار، ومن أسرار الرمال التي خبأت خطوات العابرين.
على هذا السطح الخشبي...
حيث تفرش الوحدة لونها الهادئ، تمتد أمامي زرقة بلا نهاية.
كأن البحر مرآة للسماء.
تعكس ملامح الأفق المترامي، وتبوح بحكايا الراحلين مع الريح بلا عودة.
بينما تقف التلال بجلالها الأخضر كحراس سرمديين...
يراقبون المد والجزر.
وكأنهم شهود الأزل على لقاء الأرض بالماء.
كل شيء هنا يسير بإيقاع خفي.
كأن الزمن فقد عقاربه، واكتفى بمراقبة الشمس وهي تسير إلى مخدعها خلف الجبال.
تتلاشى ببطء...
كحلم لم يكتمل.
تاركة خلفها ذيولا من ضوء يتلاعب على صفحة الماء.
فيتناثر...
كأن النجوم استبقت حضور الليل، لتلعب قليلا بين الأمواج الصامتة.
وما هذه الأريكة...
سوى عرش للهدوء.
ومقعد للروح المتعبة.
تستلقي عليها الأحلام المهاجرة، وتستند إليها الحكايات التي لم تجد مستمعا.
وتشاطرها قطعة الخشب المجاورة، التي تبدو وكأنها كائن قادم من غابة بعيدة...
يلقي بتحياته على البحر،
ويتأمل بصمت رقصة الأفق الأخيرة.
هنا...
تفتح أبواب التأمل على مصراعيها.
وينسج الصمت خيطا حريريا يلتف حول القلب.
وتهب الريح كأنها أنفاس ذكريات قادمة من عصور غابرة.
تروي أسرار المسافرين الذين جلسوا هنا قبلي...
أودعوا أحلامهم للموج،
ثم رحلوا في هدوء...
كما يفعل الغروب كل مساء.
آه أيها البحر...
كم من الأرواح غرقت في زرقتك دون أن تمسها قطرة ماء؟
وكم من قلب جلس هنا، ملأ صدره بالهواء المالح، ثم رحل خفيفا كريشة طائر وجد أخيرا سماءه؟
هنا...
أبقى...
تحت السماء التي تتشح بالسواد رويدا.
أراقب النجوم وهي تسقط في البحر، كحلم لم يكتب له النور.
وأستمع لصوت الفراغ الممتلئ بكل شيء.
منتظرا أن يأتي الموج بأمنية قديمة...
نسيها البحر يوما على الشاطئ.
ليعيدها إلي...
في لحظة صفاء نادرة كهذه.