سيرة السكينة والوحشة البرية؛ حيث تصمت الكلمات التافهة وتنطق الطبيعة بلغة مذهلة وعزلة هادئة وراء الجكوجيز الدافئة والمقاعد الوارفة.
هنا...
حيث تصمت الكلمات، وتنطق الأحاسيس.
حيث تجد الروح ملاذها بين أحضان الطبيعة المعطاءة.
فالمكان قطعة من حلم... صيغ بألوان الدهشة.
وصدى الهدوء يتردد كنغم خفي يسكن المتون.
كل شيء هنا يهمس بلغة غير مكتوبة... لكنها تشعر في نبض القلب، وتترسخ في عمق الظنون.
المشهد يأسر العين...
كلوحة لم ترسمها يد بشرية، بل نحتتها الطبيعة بأنامل الزمن.
الأفق يمتد بلا نهاية.
والسحب الهائمة كأنها تبحث عن مأوى بين طيات الكون.
بينما البحيرة تمتد كمرآة نسجت من السحر...
تعكس أسرار الأفق، في همس لا يدركه إلا من أغمض العيون.
على التلال التي تمتد كقصيدة...
نسجتها الطبيعة بإيقاع موزون.
تتصاعد برفق نحو السماء، وتنبسط عند السفح بأذرع من الغصون.
الأشجار تتمايل مع الريح...
بعضها شامخ كحارس الزمن.
وبعضها يرقص طربا... كعاشق مشجون.
والماء يهمس بصوت خافت...
كأنه يروي حكايات لم يفصح عنها منذ قرون.
بينما تغريد الطيور يعزف ترنيمة...
تبعثر المعاني في الأفق.
حفيف الأعشاب يهمس بألحان، لا يفك طلاسمها إلا من امتلك قلب شاعر أو جنون عاشق.
ونسائمها تهمس لكل عابر:
'قف لحظة... تأمل. فالعمر رحلة، والدهر لا يزال مفتونا.'
المقاعد تفرد صدرها كأم حنون.
تحتضن من يجول بعينيه في المكان بدهشة، كأنه يكتشف سحرا لم يظن يوما أنه سيكون.
والوسائد المسترخية...
كأنها تحفظ أسرار العابرين.
من غرقوا في هدوء اللحظة، ومن تساءلوا إن كان هذا الحلم واقعا مأمونا.
على الطاولة...
تمثالان يبدوان كأنهما نقش لحكاية خالدة.
أم وطفلها.
وكأنهما يرويان حكايتي... كيف كنت آمنا بين يدي أمي، وكيف سرقتني الحياة إلى صقيع السنون.
وفي قلب المكان... موقد حجري يستكين.
تتوهج جمراته كنجوم سقطت من السماء.
وتتراقص ألسنة اللهب في الأرجاء... كوشاح مطرز بلون الكهرمان.
أدركت حينها...
أن هذا المشهد أكبر من أن تحتويه الكلمات
يحفر في القلب كذكرى خالدة.
ويظل نقشا في الذاكرة... ما دام للعالم جمال يدهش العيون.
هنا...
حيث الهدوء وطن. والجمال طقس.
والقلب يبتسم رغم انبهاره.
أترك دهشتي تمتزج بالدخان المتصاعد نحو السماء.
وأغرق في تأمل لا نهاية له...
في حلم لن يكتمل، إلا حين يأذن له القدر بالمنون.